واحد وخمسون عاماً من الميكا

بسم الله الرحمن الرحيم

 

ولو أنني لست من معجبي الميكا، إلا أنه من أكثر -إن لم يكن الأكثر- التصنيفات التي قدمت للأنيمي وطورته، وأعرق تصنيفاته بلا شك. هذه التدوينة هي “مختصرة” لتاريخ 51 عاماً لتصنيف الميكا. في الأول من يناير عام 1963، عرضت أول حلقة 30 دقيقة من أول أنيمي تلفازي متسلسل، أول حلقة من “Tetswan Atom” – “Astro Boy”. حقق تيتسوان نجاحاً كبيرا بسرعة، فكان هو البداية الحقيقية للأنيمي كما نعرفه اليوم، وأول أنمي ميكا أيضاً. هكذا بدأ عصر جديد في اليابان وهو عصر صناعة الأنيمي وبأعداد هائلة بظهور شركات إنتاج كثيرة بدأت في المنافسة.


نجاح تيتسوان بشّر بالعديد من الأنيميات التي ستسير على خطاه في كون بطل القصة آلياً، منها “Tetsujin 28-go”. لكن كان في تيتسوجين شيءٌ مميز، فكان هو أول أنيمي يجعل الآلي عملاقاً، ويعتبر السلف لكل الأنيميات التي تحتوي على آليين عمالقة. مع أن تيتسوجين حقق نجاحاً كبيراً أيضاً إلا أنه كان النجاح الوحيد لأنيميات الآليين العمالقة في الستينات، كما أن الميكا لا نستطيع أن نطلق عليه تصنيفاً بعد. على اية حال، في آواخر الستينات ظهر أول تحد حقيقي للأنيمي بشكل عام وهو ظهور عروض التوكوساتسو.

التوكوساتسو والأنيمي

التوكوساتسو(اختصار لـتوكوشو ساتسوي ومعناها هو المؤثرات الخاصة) هي عروض التمثيل الحي التي تعتمد على المؤثرات الخاصة وتتمحور حول أبطال خارقين ووحوش ضخمة(تسمى كايجو) ومركبات متطورة. “Power Rangers” مثال ممتاز على فكرة التوكوساتسو، مع أنه غربي إلا أنه مأخوذ من توكوساتسو ياباني. بدأت عروض التوكوساتسو في الاستحواذ على قلوب الأطفال بدلاً من أبطال الأنيمي. لكن ظهور هؤلاء الأبطال مع أعدائهم الضخام ومركباتهم كأشياء يرغب الأطفال في شرائها بشدة(خصوصا الذكور منهم) شكّل قاعدة نجاح أنيمي الميكا في المستقبل.

كان التوكوساتسو محصوراً في القاعات السينمائية فقط، لكن مع ظهور فيلم توكوساتسو على التلفاز ممثلا بـ”Ultra Q” أصبح التوكوساتو موجوداً في غرف المعيشة اليابانية. أثار ألترا كيو اهتماماً كبيراً، وفي يوليو عام 1966 أتبعت شركة الأنتاج ذاتها بـتوكوساتسو تلفازي آخر محسنٍ من الناحية البصرية وهو “Ultraman”. كان لألترامان تأثير إضافة الزيت إلى نار مشتعلة، فأشعل موجة من الولع بالتوكوساتسو بين الأطفال اليابانيين. كلا العرضين كانا متطابقي الأسلوب، كايجو جديد يظهر ثم يواجهه البطل مع مركباته، وفي النهاية ينتصر البطل بواسطة حركة مميزة. هذا الأسلوب أصبح معتمداً ومبدأياً لأي “مسلسل ابطال” في اليابان حتى أنه ما زال يستعمل الآن بشكل كبير.

العصر الذي تلا تيتسوان كان العصر الذهبي بالنسبة لأنيميات أبطال الخيال العلمي ذوي “حجم الأطفال”، أغلبيتها كانت عن طفل يستعمل قواه الخارقة أو أدواته الخارقة في التغلب على التحديات التي تواجهه، لكن الظهور المفاجئ لألترامان حولهم إلى موضة قديمة بين “ليلة وضحاها”. ألترامان وضع حدّاً للأنيميات التي على طراز تيتسوان، ويعتبر نقطة البداية للأبطال العمالقة في الأنيمي والتوكوساتسو، واستمرت هذه “الموضة” منذ ذلك الوقت حتى الآن أي 47 سنة متواصة.

كل العروض التلفازية في ذلك الوقت -توكوساتسو وانمي- كانت تسمى بـ”تيريبي مانجا” أو “مانجا التلفاز” بالعربية. الوحوش والآليات التي جعلت التوكوساتسو ناجحاً جداً في تلك الفترة كانت تمثل نقطة ضعف انمي، التوكوساتسو بدا واقعياً، أما الأنيمي فلا. في تلك الفترة، أي في أواخر الستينات، حدث بعض الاضطراب في المجتمع الياباني، كما أن جيل الأطفال الذين عايشوا أول ظهور للأنيمي على التلفاز قد كبروا، وهذا ادى إلى تأثير كبير في عالم الأنيمي بالطبع. “مجلة الشونين الأسبوعية” التي ظهرت في بدايتها موجهة إلى ذلك الجيل من الأطفال بدأت في التحول كي تلائم نموه، وكل هذا أدى إلى ظهور ما يسمى بـ”غيكيغا”(إن كنت لا تعرف ما الغيكيغا اقرأ عنها هنا)، التي كانت ملجأ الأنيمي آنذاك للعودة إلى الساحة من جديد.

الغيكيغا والعودة

كانت قصص الغيكيغا مليئة بالسخرية من وضع المجتمع الحالي، ورسوماتها الخشنة بدت واقعية، مما استحوذ على الشبان حينها. الغيكيغا أثرت على صناعة الأنيمي بشكل كبير، وبالأخص رسمه، لكن هذا التأثير لم يكن ليحدث لولا استعمال “البانتوغراف” الذي أحدث نقلة ثورية في صناعة الأنيمي. الأنيمي الذي كان يكافح حتى يصل إلى واقعية التوكوساتسو، استعمل البانتوغراف لكي ينقل نسخة طبق الأصل من الغيكيغا وواقعيتها التي استحوذت على عقول الشبان، مما أتاح لصناع الأنيمي إضافة “لمسة غيكيغا” في أعمالهم. بعد استعمال البانتوغراف ازدادت أعداد أنيميات الرياضة واليوكاي و الأنيميات المقتبسة من الغيكيغا. الشعور الذي كانت تظهره الغيكيغا كان مناسباً جداً في تلك الفترة المضطربة. العديد من تلك الأعمل حقق نجاحاً، أفضل مثال هو ما نعرفه بـ”النمر المقنع”، الأنيمي الذي عرض عام 1969.
البانتوغراف.
يمكننا القول أن الأنيمي عانى في مواجهة التوكوساتسو، لكن بعد أن استعمل مميزات التوكوساتسو التي حققت له النجاح استطاع الأنيمي أن يعود مرة اخرى. أوائل السبعينات كانت نقطة العودة بالنسبة للأنمي، عام 1972، حين عرض انمي الميكا “Mazinger-Z”. مثّل مازنجر طراز انميات الميكا في السبعينات والذي يتكون من ثلاث نقاط: أحجام الشخصيات كانت ضخمة، قدرة الشخصيات على التحول والاندماج وأن قيادة الآليات كانت داخلية وليس بواسطة جهاز تحكم.

هذا الطراز الذي اتبعته أنيميات الميكا في السبعينات كان هو طراز التوكوساتسو في الأصل، لكنه مثل نقطة عودة الأنيمي. كما أن هذا الطراز أدى إلى تحول جديد في صناعة الأنيمي، حيث تمثل هذه الآليات مكسباً تجارياً كبيراً. من الأمور الأخرى التي انتشرت في أنيميات السبعينات هي صيغة معينة اتخذتها أغلب الأنيميات آنذاك، كانت تلك الصيغة عبارة عن ظهور منظمة شريرة كعدوٍ للبطل ويهزمها كل أسبوع، السبب وراء ظهور هذه الصيغة يعود إلى التوكوساتسو ايضا.

مع حلول السبعينات، كان التلفاز ذو الألوان قد انتشر بشكل كبير، وتلفاز الأبيض والأسود قد اختفى بشكل شبه تام. آخر أنيمي أبيض وأسود عرض عام 1971، مع بداية عام 1972 كانت كل الأنيميات ملونة. استديو “تاتسونوكو” تميز في إنتاج أنيميات ملونة، كما يعود له الفضل في ابتكار الكثير من الطرق الجديدة في رسم الأنيمي. كان أنيمي “غاتشامان” أول أنيمي خيال علمي طبق فيه تاتسونوكو تقنياته في الرسم. “غاتشامان” شكّل بداية عصر ذهبي للأنيمي، الواقعية وجودة مظهر الأبطال مع أدواتهم تفوقت على التوكوساتسو لأول مرة.

آنذاك، كان رعاة الأنيمي يتمثلون في بضع شركات منتجاتٍ غذائية وما شابه، لكن هذا الأمر سوف يتغير في السبعينات وسوف يترك تأثيراً كبيراً على الأنيمي. أثناء الستينات، أهم العروض التلفازية كانت مسابقات جوائزها هي أجهزة منزلية أو مؤنة عام كامل من منتج غذائي معين، لكن في السبعينات كانت اليابان قد انتهت من مرحلة فقر ما بعد الحرب وبدأت تمر بمرحلة نمو اقتصادي متزايد، وأصبحت أغلبية المجتمع من الطبقة الوسطى، أي أن فكرة المنتج الغذائي كـجائزة صعبة المنال قد انتهت وأصبحت تلك المنتجات واقعاً من الحياة اليومية للمواطن الياباني، مما ادى إلى اختفاء شبه تام لأولئك الرعاة. اختفاء رعاة الأنيمي شكل تهديداً كبيراً لنجاة صناعة الأنيمي ككل، الميكا ظهر كالمنقذ في تلك الفترة.

تغير الأنيمي في السبعينات

يمكننا القول أن سلف مازينجر كان هو تيتسوجين، لأن مازينجر يعتمد فكرة الآليين الضخام أيضاً، لكن مازينجر أضاف فكرتين تجاريّتين، الأولى هي اتحاد الإنسان مع الآلة حيث يقودها من الداخل، الأخرى هي إزالة بؤبؤ العين من تصميم الآلي الذي كان موجوداً في أنيميات الميكا السابقة. هذان التغييران، وقد يبدوان شيئين بسيطين، إلا أنهما كانا من أسباب جعل الميكا أضخم تصنيف انيمي، كما أنهما كانا من مميزات أشهر أبطال التوكوساتسو آنذاك. مجدداً… إنه التوكوساتسو.

مازينجر أحدث واحدة من أهم التغيرات في عالم الأنيمي وبالأخص الميكا. أحد منتجات مازينجر كانت لعبة اسمها “تشوغوكين”، تلك اللعبة حطمت الأرقام القياسية في المبيعات. لعبة مازينجر مثلت مازينجر كما هو في الأنيمي بشكل ممتاز، حتى أن عناصر القصة كانت ممثلة في تلك اللعبة، فكانت تلك أول مرة تجتمع المنتجات الثانوية والقصة والرسومات في منتج واحد. أهم العوامل وراء هذا التغيير هو تحسن مستوى المعيشة في اليابان، حيث أصبحت العوائل اليابانية المتوسطة الدخل قادرة على شراء ألعاب لأبنائها.

مع بداية السبعينات وتغير رعاة الأنيمي، أصبح هناك أكثر من راع. الشركات الغذائية لم تختفِ تماما بالطبع لكن أصبحت شركات الألعاب هم الرعاة الرئيسيّين، مما أتاح لهم إنتاج إعلان تجاري تصل مدته إلى 30 دقيقة، أنا أعني الأنيمي بالطبع. في الستينات كان الأنيمي هو المنتج الرئيسي، بينما كانت الألعاب والمنتجات المزيّنة هي المنتجات الثانوية. حسب هذا المبدأ كانت المانجا هي المصدر الرئيسي، لكن مع التغير الكبير في عالم الألعاب والأنيمي بداية السبعينات ظهرت تلك الإعلانات التي لا تعتمد على أي مصدر، أي الأنيميات الاصلية. هكذا فقد الأنيمي مكانته كمنتج رئيسي، وأصبح منتجاً ثانوياً غرضه هو التسويق للمنتج الرئيسي الجديد وهو الألعاب.

استديو سنرايز – Sunrise وفريق العمل ذاته الذي سيعمل على غندام – Gundam لاحقاً كانا قد أنتجا ما يعتبر “أول أنيمي أصلي”، Yuusha Raiden. فريق عمل يوشا تقبلوا فكرة أن الأنيمي هو مجرد دعاية، فعملو على جعل الشخصيات مربحة منذ البداية، ومع الوقت أصبحت شركات الألعاب تتدخل في الأنيمي أكثر فأكثر حتى تجعل ألعابها ناجحة. مع أن الميكا كان للدعاية وحسب، ومع أن نمطه المعتاد لم يتغير(البطل يهزم الشرير كل اسبوع)، إلا أن هذا أعطى حرية في باقي النواحي كالناحية القصصية التي ظهرت فيها قصص درامية جذبت الشبان آنذاك، جعل البطل والشرير أخوة هو أحد الأمثلة على ذلك. نجاح أعمال تحتوي دراما كهذه أظهر رغبة وحب الشبان لها، هذا الأمر كان من عوامل نجاح غندام في المستقبل.

بحلول عام 1978 كان الأطفال قد ملوا من الميكا، وكان نمط الميكا أشبه بلعنة لم يستطع التخلص منها، بدأت استديوهات الأنيمي في التخلي عن الميكا أيضا. عروض الخيال العلمي كـ”Star Wars” وأنيمي “Space Cruiser Yamato” المعروف عربيا بـ”نسور الفضاء” والتي حققت نجاحاً كبيراً استحوذت على الاهتمام حينها، لكن استديو نيبون سن رايز(سن رايز حاليا) تمسك بالميكا وأنتج العمل الذي سيغير كل شيء، “Moblie Suit Gundam”.

ظهور غندام

غندام يمثل أكثر أنيميات الميكا نجاحاً، لدرجة أنه تحول إلى تصنيف خاص، وسلسلةً تعد من الأضخم في عالم الأنيمي. على الرغم من أنه عرض عام 1979، إلا أنه لم يحقق النجاح(سواءً كلعبة أو أنيمي) إلا في بداية الثمانينات، لهذا يعتبر غندام ظاهرةً ثمانينية.
في الفترة ما بين نهاية السبعينات وبداية الثمانينات حصل تغير كبير في تاريخ الأنيمي، والجاندام كان جزءاً منه بالطبع. أتذكرون عندما قلت أن الأنيمي وبعض العروض التلفازية آنذاك كانت تسمى “تيريبي مانجا”؟ بحلول الثمانينات لم يعد الأنيمي مضمّناً بينهم. مجلة “Animage” المخصصة للأنيمي والتي ظهرت آنذاك كانت تمثل هذا التغير الذي حصل، حيث أن الشركة الناشرة لها “توكوما شونين” كانت تصدر مجلة أخرى تدعى “تيربي راندو” مخصصة لمانجا التلفاز، لكن Animage ظهرت مخصصة للأنيمي وحده. ظهور مجلات الأنيمي كان عاملاً مؤثراً في تغيير نظرة المجتمع الياباني للأنيمي، بدأ ينظر إلى الأنيمي ويعترف به كعمل فني. طبعاً قبل ظهور مجلات الأنيمي كان هناك القليلون ممن ينظرون إلى الأنيمي على أنه عمل فني، القليل فقط، لكن التغير الذي حصل كان أشبه بالمعجزة. قبل فترة قليلة من الزمن كان الأنيمي يعتبر كعروض للأطفال أو مجرد عروض تجارية، لكن الآن أصبح عملاً فنياً يجذب شبّان اليابان بشكلٍ خاص.
العروض التلفازية كانت تحتاج إلى رعاة كي توفر تكاليف العرض، لكن في السينما لم يكن للرعاة أي دور وكان نيل إعجاب المشاهدة يأتي أولاً بعكس الأنيمي المتلفز. “نسور الفضاء” فشل كأنيمي متلفز لكنه حقق نجاحاً كبيراً في دور السينما. غندام، الذي كان موجهاً إلى الشباب، اتّبع طريق نجاح “نسور الفضاء” وشكل بداية عصرٍ جديد، حيث تحرر الأنيمي أكثر من القيود التجارية التي كانت تربطه وأصبح نيل إعجاب المشاهد مهمّاً أكثر.
غندام تخلص من نمط “الآليين الأبطال × الآليين الأشرار” الخاص بأنيميات الميكا التي سبقته، حيث صوّر آلة البطل على أنها سلاح حربي وليس على أنها بطل، وعدوّه كان مجرد آلات مماثلة. هذا الشكل لأنيميات الميكا السابقة عرف بتصنيف “الآلي الخارق”، يمكن القول أن من بدأ هذا التصنيف هو تيتسوجين أو مازنجر، لكن جاندام حطم روتين أنيميات الميكا، مبتكراً تصنيفاً جديداً يعرف بـ”الآلي الواقعي” أو “ريارو روبوتو” في اليابانية، حيث للواقعية الكلمة العليا.
الراعي الرئيسي لغندام كان شركة ألعاب اسمها “Clover”، رعايتها للأنيمي كانت مشترطة ببيع كمية معينة من الألعاب، لكن بسبب واقعية الجاندام كانت مبيعات الألعاب سيئة، فطلبت “كلوفر” من سنرايز إضافة بعض الأمور إلى الأنيمي التي من شأنها رفع مبيعات الألعاب، لكن طاقم عمل الأنيمي الذي كان يعير الواقعية الأولوية لم يرضخ لمطالب “كلوفر”، مما أدى إلى إلغاء “كلوفر” رعايتها للأنيمي، وبالتالي الأنيمي الذي كان من المفترض أنه 52 حلقة توقف عند الحلقة 43. ومع هذا، غندام بالدراما التاريخية الخاصة به ومشاهد القتال خاصته الواقعية شكل عصراً جديداً لأنيميات الميكا.
في الواقع، غندام كان فاشلاً كأنيمي متلفز كما كان فاشلاً كألعاب تجارية، لكن بعد ست أشهر من نهاية عرضه قامت شركة “Bandai” بالإعلان عن صناعة ألعاب من سلسلة غندام، وتلك كانت أول مرة  يتم صنع ألعاب لأنيمي غير ناجح وبعد فترة طويلة من عرضه من قبل شركة لم تكن راعيةً له في المقام الأول. “Bandai” شركة من أعرق الشركات في صناعة الألعاب، وصنعت ألعاب “نسور الفضاء” التي حققت نجاحاً كبيراً. رأت بانداي في بعض السفن الحربية في غندام(التي لم تحولها “كلوفر” إلى العاب) أنها مربحة. وفعلاً، نجاح ألعاب غندام التي صنعتها بانداي كان كبيراً، حتى عرفت بـ”Gunpla” وهو دمج بين “Gundam” و”Plastic”. ولعدة أسباب شكّلت ألعاب غندام ظاهرةً اجتاحت اليابان.

تم عرض غندام مرة أخرى لكن كأفلام في السينما مع حذف الأمور التجارية التي فرضت على سن رايز، مما أدى(مع ظاهرة الألعاب) إلى تحقيق غندام لنجاحٍ غير مسبوق. نجاح غندام كان له تأثير واسع على الأنيمي، عدد مجلات الأنيمي ازداد بشكلٍ كبير، وتوسعت صناعة الأنيمي بشكلٍ عام. الثمانينات تميزت بأكثر من ريميك لأنيميات الستينات، منها تيتسوان أتوم وتيتسوجين. كما تميزت الثمانينات بأن دور المخرج أصبح أكثر أهمية وأصبح تأثيره أكبر في الأنيمي بشكلٍ عام، أفضل مثالين هما مخرج غندام “يوشيوكي تومينو” ومخرج آخر اسمه “كازويوكي هيروكاوا”. “Densetsu Kyojin Ideon” من اخراج “تومينو” و”Uchū Senshi Baldios” من اخراج “هيروكاوا” عرضا عام 1980، كلاهما حقق مبيعات العاب سيئةً جداً مما أدى إلى إلغاء عرضهما، لكنهما عادا كأفلام في السينما، وهما آخر أنيميات الميكا التي عانت من مبيعاتها مقابل محتواها.

عام 1979 حين عرض غندام، عرضت ثلاثة أنيميات ميكا فقط، لكن عام 1980 ازداد العدد إلى خمسة وفي 81 ازداد إلى سبعة، لكن عام 82 قل العدد إلى ست، وعشر أنيميات عام 83 وتسع في 84. الفترة ما بين عام 82 و84 تعد العصر الذهبي لأنيميات الميكا الواقعية، و”Superdimensional Fortress Macross” يعتبر جوهرة ذلك العصر. ماكروس من أشهر الأنيميات في التاريخ ويعد من أكثرها تأثيراً. من مميزات الثمانينات انتقال الكثير من متابعي الأنيمي في الستينات بعد تقدمهم في العمر إلى العمل في صناعة الأنيمي، ماكروس أحد الأمثلة على هذا. كما أن مخرج فيلم ماكروس الأول كان عمره 24 سنة فقط، حصول شاب على عمل مهم كهذا يظهر مدى مرونة الميكا في تلك الفترة.

واقعية الميكا وصلت لدرجة أن اسم السلسلة لم يعد يتضمن اسم البطل، ومع أن غندام كان هو أول أنيميات الميكا الواقعية إلا أنه في العصر الذهبي(82-84) لم تكن هناك تكملة لغندام، لكن ظهرت ألعاب غندام أصلية لم تظهر في الأنيمي(MSV)، تلك الألعاب ظهرت في أجزاء غندام جديدة عرضت فيما بعد.

انتهاء العصر الذهبي للميكا

بعد وصول الميكا إلى القمة لم يعد هناك مفر من السقوط، بعد عام 84 بدأت تظهر علامات انتهاء هذه الحقبة. كي نفهم التغيير الذي حصل آنذاك يجب أن نفهم أسبابه، ظهور الأشرطة في الثمانينات قلل من أهمية الأنيمي المتلفز، حيث لم يعد متابع الأنيمي بحاجة إلى أن يجلس أمام التلفاز في أوقات معينة كي يتابع الأنيمي، أصبح يتمكن من متابعته عن طريق الأشرطة، وظهرت الأوفا. لكن أهم سبب حدث آنذاك هو ظهور “فاميكوم” جهاز الألعاب من ناينتيندو، الفاميكوم تفوق على الأنيمي وألعابه واستحوذ على طلاب المدارس الإبتدائية وأصبح مصدرهم الأول للتسلية بدلاً من الأنيمي.

مع نجاح الفاميكوم، العديد من المصائب حلّت بالأنيمي، صانع الألعاب “Clover” الذي رعى عدة أنيميات شهيرة أعلن إفلاسه، “تاكاتوكو” والذي ربح الكثير من رعايته لماكروس توقف عن العمل. الأوفا شكلت “بيئةً” جديدةً للأنيمي، لكن الرعاة الذين منحوا الأنيمي كل تلك الحرية سابقاً بدؤوا يعلنون الإفلاس أو يتخلون عن الأنيمي، مما دفع صناع الأنيمي إلى التخلي عن الأعمال الأصلية الموجهة للجميع والتوجه إلى أعمال مخصصة إلى فئة معينة من الناس المستعدة لإنفاق المال.

أكبر دليل على انتهاء العصر الذهبي لأنيميات الميكا الواقعية هي الأعمال التي ظهرت آنذاك. “Mobile Suit Zeta Gundam” وهو تكملة لغندام، ظهر بعد أن قال مخرج غندام “تومينو” أنه لن يكون هناك أي تكملة لغندام أو أفلامه. في إحدى أفلام “نسور الفضاء” أو “Space Cruiser Yamato” وضعت نهايةً للسلسلة، لكن ظهرت تكملة فيما بعد في “عالم موازي”. لو كان هناك أشخاص جدد مع أفكار جديدة في عالم الأنيمي آنذاك، لما كان هناك لجوءٌ إلى إكمال أنيمياتٍ من الماضي، لهذا تمثل تكملة غندام نهاية عصر. عام 85 لم يعرض سوى خمس انميات ميكا، أي نصف-تقريبا- العام الذي سبقه.

ظهرت الكثير من مجلات الأنيمي كي تشبع شغف المتابعين للمعلومات، لكن عام 86 ثلاثة مجلات أنيمي أعلنت توقفها. وهكذا، كانت نهاية فترة من الفترات التي مرّ بها الأنيمي. عام 86 مثّل بداية ما قد يسمى بـ”فترة انحطاط” لأنيميات الميكا أيضاً، فقط ثلاث أنيميات ميكا جديدة ظهرت تلك السنة، تكملة أخرى لغندام لكنها كانت مجرد “زيادة” في السلسلة. عام 88 أوقات عرضٍ كانت مخصصةً للميكا سابقاً بدأت تحصل عليها أنيميات أخرى، أنيميات الميكا التي تحوي على آليين يقودهم البشر وقصص درامية مع سلطةٍ أكبر للمخرج(كغندام وماكروس) اختفت تماماً. من العوامل التي ساهمت في انتهاء عصر الميكا هو ظهور الأنيميات المقتبسة من مانجات شونين جمب أيضاً، “Dragon Ball” عام 1886 أحد الأمثلة.

عودة الميكا

كل نهاية تمثل بداية جديدة. الميكا قد اختفى من شاشات التلفاز لكنه ما زال موجوداً في السينما وكأوفا أيضا، ولاحقاً أوقات العرض المتأخرة(وهو من أكثر الطرق الناجحة حالياً).

Suisei no Gargantia أحد الأمثلة على أنيمي ميكا ناجح في وقتٍ متأخر.

“Kidō Keisatsu Patlabor” أنيمي ميكا ظهر كأوفا عام 1988، في قمة انحطاط الميكا. بدلاً من ميزانية الأوفا الضخمة آنذاك(48 مليون ين) تم تخفيض عدد الحلقات إلى سبع مدتها 30 دقيقة لتخفيض تكاليف الإنتاج. وفكرة مبتكرة أخرى وهي إضافة بعض الإعلانات إلى الحلقة. الأوفا حققت نجاحاً كبيراً، أنشأت مبدأً جديداً للأوفات وهو التزامها بست أو سبع حلقات، وظهرت لها مانجا في شونين جمب. عام 1989 تم عرض فيلم للأوفا، وبعد نجاحه تم عرض أنيمي متلفز ايضاً. في العادة، أنيمي متلفز ناجح يؤدي إلى ظهور فيلم له في السينما، لكن لأول مرة، فيلم ناجح أدى إلى ظهور أنيمي متلفز له. الميكا استطاع لم شتاته كأوفا والعودة إلى التلفاز.

ولو أنني لا أفضل الخوض في التغييرات التي أحدثها ظهور الأوفا كثيراً في هذه التدوينة، لكن ذكر هذا لا مفر منه. أكبر فرق بين الأوفا والأنيمي المتلفز هو أن الأوفا لا تحتاج راعياً كي توفر أوقات عرض على التلفاز، والإضافات التجارية الموجودة في أنيميات التلفاز ليست موجودة في الأوفا، أي أن الأوفا تتنافس بجدارتها تماماً كالأفلام، وبدأ كل مخرج يتوجه إلى فئة معينة من المتابعين. عام 1988 ظهرت أوفا اخرى ناجحة، “Top wo Nerae! Gunbuster”. بدمجها بين الميكا الواقعي والخارق، غن بستر من أنجح الأوفات في التاريخ، وهو مثال آخر على الأوفات التي نجحت بناءً على جدارتها فقط.

بداية التسعينات، أول جيل من متابعي الأنيمي أصبحوا آباءً الآن، وظهرت أنيميات موجهة لأولادهم الذين يمثلون الجيل الثاني من متابعي الأنيمي. سن رايز أطلقت سلسلة “Yūsha” والتي استمرت حتى 97، وبعد نهايتها خسر الميكا فترة عرضٍ أخرى كانت مخصصةً له. سلسلة”Eldran” هي سلسلة أخرى موجهة للأطفال أطلقتها سن رايز عام 91، المميز فيها هو أنها حققت نجاحاً كبيراً بين الأطفال والكبار ايضاً. الأنيميات الموجهة لطبقة عمرية أكبر من الأطفال ستعود منتصف التسعينات، “Neon Genesis Evangelion” من استديو “Gainax” بتصاميمه والأفكار التي تناولها ورسوماته الرائعة حقق نجاحاً كبيراً، بل من أكثر الأنيميات نجاحاً في التاريخ ومن أكثرها تأثيراً، وشكّل ظاهرةً حين عرض أول مرة. “Ghost in The Shell” عُرض في العام ذاته، وأعطى الأنيمي دفعةً عالميةً قوية، محققاً مبيعات عاليةً في أمريكا الشمالية.

ظهرت “ثورة” في جودة رسومات الأنيمي في التسعينات، سابقاً لم يكن المشاهد يلقي بالاً للرسومات، القصة والشخصيات كانا هما الأهم وجودة الرسم تعتبر شيئاً جانبياً، لكن صدور الأنيمي المتلفز كأشرطة أو أقراص فيديو أصبح بديهيّاً، والدقة التي وفرتها الأقراص الليزرية ساهمت في تغيير فكر المشاهدين، وأصبحت جودة رسومات الأنيمي مهمةً اكثر. الميكا ساهم كثيراً في زيادة أهمية الرسومات، أحد أوفات غندام التي عرضت عام 91 أظهرت دقةً في الرسومات لم تكن موجودة إلا في رسومات دعائية تظهر في مجلات الأنيمي، وبجودة الأفلام أو حتى أفضل منها. الأوفا تتميز برسوماتها الأفضل من التلفاز لكن الأسوء من الأفلام، هذا يعني أنه لو ظهر أنيمي متلفز بدقة الأوفا فهذا يزيد قيمته بشكل كبير كمنتج، لذا كانت دقة الرسم جزءاً لا يتجزأ من نجاحات أنيميات التسعينات كإيفانجليون. إيفانجليون أعطى مثالاً على امكانية الربح الكبير من أنيمي يقدم جودة عالية في كل النواحي.

مطلع التسعينات وبسبب سوء الحالة الأقتصادية لليابان آنذاك ظهرت فكرة “لجنة الأنتاج”، مجموعة من الشركات تجتمع لتدفع تكاليف إنتاج الأنيمي، وهذا زاد من قيمة الأنيمي كمنتج رئيسي. لن أتكلم كثيراً عن القرن الواحد والعشرين، لكنه شهد ريميك أو تكملة لكثير من أنيميات الميكا القديمة، إيفانجليون، غندام، تيتسوان، تيتسوجين وغيرها. الحيوية والتجدد في تصنيف الميكا تعكس العقلية اليابانية ككل، الميكا استمر في النمو طوال سنين بفضل “ثقافة الإبداع” خاصته، ورسوماته وقصصه تطورت كثيراً في فترة قصيرة، مما جعل الميكا تصنيفاً يمتع الكبار والصغار، وهو أكثر تصنيفات الأنيمي نجاحاً وأكثر تصنيف يحوي أنيميات أصلية.

 

من يريد الإطلاع أكثر على تاريخ الميكا يمكنه أن يقرأ هذا البحث -لكنه بالأنجليزية-.

من أنا؟

Alex

سوري لكن قضيت معظم حياتي في السعودية، مهتم بالثقافة اليابانية بشكل عام و الأنمي و المانجا على وجه الخصوص. مونوغاتاري/ناروتو فان.

  • ماشاء الله، مقالة أكثر من رائعة! وتستحق انتباها وتركيزا كبيرين أثناء قراءتها، فيها الكثير من المصطلحات المفيدة. شكرا جزيلا على مجهودك.
    عندي اقتراح أرجو ان تأخذه بعين الاعتبار.. المقالة ممتازة لدرجة لا تصدق، حتى تضع بعضا من المصداقية أقترح أن تضيف مصادر المعلومات التي ميزت هذا المقال وأيضا روابط لمعلومات إضافية، لا يهم ان كانت بالإنجليزية، أعتقد هذا سيجعلها غنية اكثر.

    استمر.

  • العفو، في الجزء الثاني ستجد المصدر الذي يحتوي على توسع و تفصيل اكثر لكل هذه المعلومات و بعض المعلومات الاخرى ايضا، انا لم استعمل سوى مصدر واحد و لا احبذ ذكر مصادري لكني ذكرته لمن اراد الإطلاع اكثر على هذا الموضوع. و شكرا لك

  • Anonymous

    ما شاء الله مدونة جداً جميلة،،،، من عشاق الانمي من زمان لكن من قريب بدأت احب اتعمق بتاريخهم،،،، موفق اخوي